فصل: تفسير الآية رقم (36)

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: تفسير الألوسي المسمى بـ «روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني» ***


تفسير الآية رقم ‏[‏33‏]‏

‏{‏جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ ‏(‏33‏)‏‏}‏

‏{‏جنات عَدْنٍ‏}‏ مبتدأ خبره قوله تعالى‏:‏ ‏{‏يَدْخُلُونَهَا‏}‏ ويؤيده قراءة الجحدري وهرون عن عاصم ‏{‏جنات‏}‏ بالنصب على الاشتغال أي يدخلون جنات عدن يدخلونها واحتمال جره بدلاً من ‏{‏الخيرات‏}‏ بعيد وفيه الفصل بين البدل والمبدل منه بأجنبي فلا يلتفت إليه‏.‏

وضمير الجمع للذين اصطفينا أو للثلاثة‏.‏ وقال الزمخشري‏:‏ ذلك إشارة إلى السبق بالخيرات ‏{‏وجنات عَدْنٍ‏}‏ بدل من الفضل الذي هو السبق ولما كان السبق بالخيرات سبباً لنيل الثواب جعل نفس الثواب إقامة للسبب مقام المسبب ثم أبدل منه وضمير الجمع للسابق لأن القصد إلى الجنس، فخص الوعد بالقسم الأخير مراعاة لمذهب الاعتزال وهو على ما سمعت للأقسام الثلاثة وذلك هو الأظهر في النظم الجليل ليطابقه قوله تعالى بعد‏:‏ ‏{‏والذين كَفَرُواْ لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ‏}‏ ‏[‏فاطر‏:‏ 36‏]‏ وليناسب حديث التعظيم والاختصاص المدمج في قوله سبحانه‏:‏ ‏{‏ثُمَّ أَوْرَثْنَا الكتاب‏}‏ ‏[‏فاطر‏:‏ 32‏]‏ وإلا فأي تعظيم في ذلك بعد أن لز أكثر المصطفين في قرن الكافرين وليناسب ذكر الغفور بعد حال الظالم والمقصد والشكور حال السابق ولتعسف ما ذكره من الإعراب وبعده عن الذوق وكيف لا يكون الأظهر وقد فسره كذلك أفضل الرسل ومن أنزل عليه هذا الكتاب المبين على ما مر آنفاً وإليه ذهب الكثير من أصحابه الفخام ونجوم الهداية بين الأنامرضي الله تعالى عنهم وعد منهم في الحبر عمر‏.‏ وعثمان‏.‏ وابن مسعود‏.‏ وأبا الدرداء‏.‏ وأبا سعيد‏.‏ وعائشة رضي الله تعالى عنهم، وقد أخرج سعيد بن منصور‏.‏ والبيهقي في البعث عن البراء بن عازب أنه قال بعد أن قرأ الآية‏:‏ أشهد على الله تعالى أنه يدخلهم الجنة جميعاً، وأخرج غير واحد عن كعب أنه قرأ الآية إلى ‏{‏لُغُوبٌ‏}‏ فقال دخلوها ورب الكعبة، وفي كلهم في الجنة ألا ترى على أثره ‏{‏والذين كَفَرُواْ لَهُمْ نَارُ جهنم‏}‏ ‏[‏فاطر‏:‏ 36‏]‏ نعم أن أريد بالظالم لنفسه الكافر يتعذر رجوع الضمير إلى ما ذكر ويتعين رجوعه إلى السابق وإليه وإلى المقتصد لأن المراد بهما الجنس لكن لا ينبغي أن يراد بعد هاتيك الأخبار، وقرأ زر بن حبيش‏.‏ والزهري ‏{‏جَنَّةُ عَدْنٍ‏}‏ بالإفراد والرفع وقرأ أبو عمرو ‏{‏يَدْخُلُونَهَا‏}‏ بالناء للمفعول ورويت عن ابن كثير، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏يُحَلَّوْنَ فِيهَا‏}‏ خبر ثان لجنات أو حال مقدرة، وقيل‏:‏ إنها لقرب الوقوع بعد الدخول تعد مقارنة وقرىء ‏{‏يُحَلَّوْنَ‏}‏ بفتح الياء وسكون الحاء وتخفيف اللام من حليت المرأة فهي حالية إذ لبست الحلى ويقال جيد حال إذا كان عليه الحلي ‏{‏مِنْ أَسَاوِرَ‏}‏ جمع سوار على ما في «الإرشاد»، وفي «القاموس» السوار ككتاب وغراب القلب كالأسوار بالضم جمعه إسورة وأساور وأساورة وسور وسؤور اه، وإطلاق الجمع على جمع الجمع كثير فلا مخالفة، وسوار المرأة معرب كما قال الراغب وأصله دستواره، ومن للتبعيض أي يحلون بعض أساور كأنه بعض له امتياز وتفوق على سائر الإبعاض، وجوز أن تكون للبيان لما أن ذكر التحلية مما ينبىء عن الحلي المبهم، وقيل‏:‏ زائدة بناء على ما يرى الأخفش من جواز زيادتها في الإثبات، وقيل‏:‏ نعت لمفعول محذوف ليحلون وأنه بمعنى يلبسون ‏{‏وَمِنْ‏}‏ في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏مّن ذَهَبٍ‏}‏ بيانية ‏{‏وَلُؤْلُؤاً‏}‏ عطف على محل ‏{‏مِنْ أَسَاوِرَ‏}‏ أي ويحلون فيها لؤلؤاً‏.‏

أخرج الترمذي‏.‏ والحاكم‏.‏ وصححه والبيهقي في البعث عن أبي سعيد الخدري أن النبي صلى الله عليه وسلم تلا الآية فقال‏:‏ إن عليهم التيجان إن أدنى لؤلؤة منها لتضيء ما بين المشرق والمغرب، وقيل‏:‏ عطف على المفعول المحذوف أو منصوب بفعل مضمر يدل عليه ‏{‏يُحَلَّوْنَ‏}‏ أي ويؤتون لؤلؤاً‏.‏ وقرأ جمع من السبعة ‏{‏ولؤلؤ‏}‏ بالجر عطفاً على ‏{‏فَإِذَا ذَهَبَ‏}‏ أي يحلون فيها بعض أساور من مجموع ذهب ولؤلؤ بأن تنظم حبات ذهب مع حبات لؤلؤ ويتخذ من ذلك سوار كما هو معهود اليوم في بلادنا أو بأن يرصع الذهب باللؤلؤ كما يرضع ببعض الأحجار، وقيل‏:‏ أي من ذهب في صفاء اللؤلؤ، وفيه ما فيه من الكدر‏.‏

ولعل من يقول بأنه لا اشتراك بين ذهب الدنيا ولؤلؤها وذهب الآخرة ولؤلؤها إلا بالاسم لا يلتزم النظم ولا الترصيع كما لا يخفى، وقرء ‏{‏لُؤْلُؤاً‏}‏ بتخفيف الهمزة الأولى ‏{‏وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ‏}‏ أي إبريسم محض كما في «مجمع البيان»، وقال الراغب‏:‏ ما رق من الثياب‏.‏ وتغيير الأسلوب حيث لم يقل ويلبسون فيها حريراً قيل للإيذان بأن ثبوت اللباس لهم أمر محقق غني عن البيان إذ لا يمكن عراؤهم عنه وإنما المحتاج إلى البيان إن لباسهم ماذا بخلاف الأساور واللؤلؤ فإنها ليست من اللوازم الضرورية ولذا لا يلزم العدل بين الزوجات فيها فجعل بيان تحليتهم مقصوراً بالذات، ولعل هذا هو الباعث على تقديم التحلية على بيان حال اللباس، وقيل‏:‏ إن ذلك للدلالة على أن الحرير ثيابهم المعتادة مع المحافظة على هيئة الفواصل وليس بذاك‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏34‏]‏

‏{‏وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ ‏(‏34‏)‏‏}‏

‏{‏وَقَالُواْ‏}‏ أي ويقولون‏.‏

وصيغة الماضي للدلالة على التحقق ‏{‏الحمد للَّهِ الذى أَذْهَبَ عَنَّا الحزن‏}‏ حزن تقلب القلب وخوف العاقبة على ما روى عن القاسم بن محمد، وقال أبو الدرداء‏:‏ حزن أهوال القيامة وما يصيب من ظلم نفسه هنالك‏.‏

وأخرج الحاكم وصححه‏:‏ وابن أبي حاتم وغيرهما عن ابن عباس حزن النار‏.‏ وقال الضحاك حزن الموت يقولون ذلك إذا ذبح الموت، وقال مقاتل‏:‏ حزن الانتقال يقولون ذلك إذا استقروا فيها، وقال قتادة‏:‏ حزن أن لا تتقبل أعمالهم، وقال الكلبي‏:‏ خوف الشيطان، وقال سمرة بن جندب‏:‏ حزن معيشة الدنيا الخبز ونحوه، وعن ابن عباس حزن الآفات والأعراض وقيل‏:‏ حزن كراء الدار والأولى أن يراد جنس الحزن المنتظم لجميع أحزان الدين والدنيا والآخرة، وكل ما سمعت من باب التمثيل وقد تقدم في الحديث «إن الذين ظلموا أنفسهم هم الذين يقولون» أي بعد أن يتلقاهم الله تعالى برحمته ‏{‏الحمد للَّهِ الذى أَذْهَبَ عَنَّا الحزن‏}‏ الخ فلا تغفل وقرىء الحزن بضم الحاء وسكون الزاي ذكره جناح بن حبيش ‏{‏إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ‏}‏ للمذنبين ‏{‏شَكُورٍ‏}‏ للمطيعين‏.‏

وأخرج ابن المنذر‏:‏ وغيره عن ابن عباس أنه قال في ذلك‏.‏ غفر لنا العظيم من ذنوبنا وشكر لنا القليل من أعمالنا، وفي «الكشاف» ذكر السكور دليل على أن القوم كثير والحسنات، وكان عليه أن يقول‏:‏ وذكر الغفور دليل على أنهم كثير والفرطات فينطبق على الفرق ولا ينفك النظم ولكن منعه المذهب‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏35‏]‏

‏{‏الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ ‏(‏35‏)‏‏}‏

‏{‏الذى أَحَلَّنَا دَارَ المقامة‏}‏ أي دار الإقامة التي لا انتقال عنها أبداً وهي الجنة ‏{‏مِن فَضْلِهِ‏}‏ من إنعامه سبحانه وتفضله وكرمه فإن العمل وإن كان سبباً لدخول الجنة في الجملة لكن سببيته بفضل الله عز وجل أيضاً إذ ليس هناك استحقاق ذاتي، ومن علم أن العمل متناه زائل وثواب الجنة دائم لا يزول لم يشك في أن الله تعالى ما أحل من أحل دار الإقامة إلا من محض فضله سبحانه وقال الزمخشري‏:‏ أي من إعطائه تعالى وإفضاله من قولهم لفلان فضول على قومه وفواضل وليس من الفضل الذي هو التفضل لأن الثواب بمنزلة الأجر المستحق والتفضل كالتبرع وفيه من الاعتزال ما فيه ‏{‏لاَ يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ‏}‏ أي تعب ‏{‏وَلاَ يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ‏}‏ كلال وفتور وهو نتيجة النصب، وضمه إليه وتكرير الفعل المنفي للمبالغة في بيان انتفاء كل منهما كذا قال جمع من الأجلة، وقال بعضهم‏:‏ النصب التعب الجسماني واللغوب التعب النفساني‏.‏

وأخرج ابن جرير عن قتادة أنه فسر النصب بالوجع والكلام من باب‏:‏

لا ترى الضب بها ينجحر *** والجملة حال من أحد مفعولي أحل‏.‏ وقرأ علي كرم الله تعالى وجهه‏.‏ والسلمي ‏{‏لُغُوبٌ‏}‏ بفتح اللام، قال الفراء‏:‏ هو ما يغب به كالفطور والسحور، وجاز أن يكون صفة لمصدر محذوف أي لا يمسنا فيها لغوب لغوب نحو شعر شاعر كأنه وصف اللغوب بأنه قد لغب أي أعيى وتعب‏.‏

وقال «صاحب اللوامح» يجوز أن يكون مصدراً كالقبور وإن شئت جعلته صفة لمضمر أي أمر لغوب‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏36‏]‏

‏{‏وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ ‏(‏36‏)‏‏}‏

‏{‏والذين كَفَرُواْ لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لاَ يقضى عَلَيْهِمْ‏}‏ أي لا يحكم عليهم بموت ثان ‏{‏فَيَمُوتُواْ‏}‏ ليستريحوا بذلك من عذابها بالكلية وإنما فسر لا يقضي بما ذكر دون لا يموتون لئلا يلغوا فيموتوا ويحتاج إلى تأويله بيستريحوا‏.‏

ونصب يموتوا في جواب النفي بإضمار أن والمراد انتفاء المسبب لانتفاء السبب أي ما يكون حكم بالموت فكيف يكون الموت‏.‏ وقرأ عيسى‏.‏ والحسن ‏{‏فيموتون‏}‏ بالنون عطفاً كما قال أبو عثمان المازني على ‏{‏والله يَقْضِى‏}‏ كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏لاَ يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ‏}‏ ‏[‏المرسلات‏:‏ 6 3‏]‏ أي لا يقضي عليهم ولا يموتون ‏{‏وَلاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مّنْ عَذَابِهَا‏}‏ المعهود لهم بل كلما خبت زيد إسعارها، والمراد دوام العذاب فلا ينافي تعذيبهم بالزمهرير ونحوه، ونائب فاعل يخفف ‏{‏عَنْهُمْ‏}‏ ومن عذابها في موضع نصب ويجوز العكس، وجوز أن تكون من زائدة فيتعين رفع مجرورها على أنه النائب عن الفاعل على ما قال أبو البقاء‏.‏ وقرأ عبد الوارث عن أبي عمرو ‏{‏وَلاَ يُخَفَّفُ‏}‏ بإسكان الفاء شبه المنفصل بالمتصل كقوله‏:‏

فاليوم أشرب غير مستحقب *** ‏{‏كذلك‏}‏ أي مثل ذلك الجزاء الفظيع ‏{‏نَجْزِى كُلَّ كَفُورٍ‏}‏ مبالغ في الكفر أو الكفران لا جزاء أخف وأدنى منه‏.‏

وقرأ أبو عمرو‏.‏ وأبو حاتم عن نافع ‏{‏يَجْزِى‏}‏ بالياء مبنياً للمفعول و‏{‏كُلٌّ‏}‏ بالرفع على النيابة عن الفاعل وقرىء ‏{‏نجازي‏}‏ بنون مضمومة وألف بعد الجيم‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏37‏]‏

‏{‏وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ ‏(‏37‏)‏‏}‏

‏{‏وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا‏}‏ افتعال من الصراخ وهو شدة الصياح والأصل يصترخون فأبدلت التاء طاء ويستعمل كثيراً في الاستغاثة لأن المستغيث يصيح غالباً، وبه فسره هنا قتادة فقال‏:‏ يستغيثون فيها، واسغاثتهم بالله عز وجل بدليل ما بعده وقيل ببعضهم لحيرتهم وليس بذاك‏.‏

‏{‏رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صالحا غَيْرَ الذى كُنَّا نَعْمَلُ‏}‏ بإضمار القول أي ويقولون بالعطف أو يقولون بدونه على أنه تفسير لما قبله أو قائلين على أنه حال من ضميرهم، وتقييد العمل الصالح بالوصف المذكور للتحسر على ما عملوه من غير الصالح مع الاعتراف به والإشعار بأن استخراجهم لتلافيه فهو وصف مؤكد ولأنهم كانوا يحسبون أنهم يحسنون صنعاً فكأنهم قالوا‏:‏ نعمل صالحاً غير الذي كنا نحسبه صالحاً فنعمله فالوصف مقيد‏.‏

وذكر أبو البقاء ‏{‏أَنَّ صالحا وَغَيْرُ الذى‏}‏ يجوز أن يكونا صفتين لمصدر محذوف أو لمفعول محذوف وأن يكون ‏{‏صالحا‏}‏ نعتاً لمصدر و‏{‏غَيْرَ الذى‏}‏ مفعول ‏{‏نَعْمَلْ‏}‏ وأياً ما كان فالمراد أخرجنا من النار وردنا إلى الدنيا نعمل صالحاً وكأنهم أرادوا بالعمل الصالح التوحيد وامتثال أمر الرسول عليه الصلاة والسلام والانقياد له، وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال‏:‏ ‏{‏نَعْمَلْ صالحا‏}‏ نقل لا إله إلا الله ‏{‏أَوَ لَمْ نُعَمّرْكُمْ مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ‏}‏ جواب من جهته تعالى وتوبيخ لهم في الآخرة حين يقولون ‏{‏رَبَّنَا‏}‏ الخ فهو بتقدير فنقول لهم أو فيقال لهم ‏{‏أَوَ لَمْ نُعَمّرْكُمْ‏}‏ الخ، وفي بعض الآثار أنهم يجابون بذلك بعد مقدار الدنيا، والهمزة للإنكار والواو للعطف على مقدر يقتضيه المقام وما موصولة أو موصوفة أي ألم نمهلكم ونعمركم الذي أي العمر الذي أو عمراً يتذكر فيه من تذكر أي يتمكن فيه من أراد التذكر وتحققت منه تلك الإرادة من التذكر والتفكر‏.‏

وقال أبو حيان‏:‏ ما مصدرية ظرفية أي ألم نعمركم في مدة تذكر، وتعقب بأن ضمير ‏{‏فِيهِ‏}‏ يأباه لأنها لا يعود عليها ضمير إلا على نظر الأخفش فإنه يرى اسميتها وهو ضعيف، ولعله يجعل الضمير للعمر المفهوم من ‏{‏نعمر‏}‏ وفيه بعد‏.‏

وجعل ما نافية لا يصح كما قال ابن الحاجب لفظاً ومعنى، وهذا العمر على ما روى عن علي كرم الله تعالى وجهه وأخرجه جماعة وصححه الحاكم عن ابن عباس ستون سنة، وقد أخرج الإمام أحمد‏.‏ والبخاري‏.‏ والنسائي‏.‏ وغيرهم عن سهل بن سعد قال‏:‏ «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم اعذر الله تعالى إلى امرىء أخر عمره حتى بلغ ستين سنة؛ وقيل‏:‏ هو خمسون سنة» وفي رواية عن ابن عباس أنه ست وأربعون سنة، وأخرج عبد بن حميد‏.‏

وابن حاتم عن الحسن أنه أربعون سنة، وفي رواية أخرى عنه أنه سن البلوغ، وقيل‏:‏ سبع عشرة سنة، وعن قتادة ثمان عشرة سنة، وعن عمر بن عبد العزيز عشرون سنة، وعن مجاهد مابين العشرين إلى الستين، وقرأ الأعمش ‏{‏مَا يُذْكَرُ فِيهَا مِنْ اذكر‏}‏ بالإدغام واجتلاب همزة الوصل ملفوظاً بها في الدرج ‏{‏وَجَاءكُمُ النذير‏}‏ عطف على معنى الجملة الاستفهامية فكأنه قيل‏:‏ عمرناكم وجاءكم النذير فليس من عطف الخبر على الإنشاء كما في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ألم نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ‏}‏ ‏[‏الشرح‏:‏ 1، 2‏]‏ وجوز أن يكون عطفاً على ‏{‏نُعَمّرْكُمْ‏}‏ ودخول الهمزة عليهما فلا تغفل‏.‏

والمراد بالنذير على ما روى عن السدي‏.‏ وابن زيد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقيل‏:‏ ما معه من القرآن، وقال أبو حيان‏:‏ المراد جنس النذير وهم الأنبياء عليهم السلام فكل نبي نذير أمته، ويؤيده أنه قرىء ‏{‏النذر‏}‏ جمعاً، وعن ابن عباس‏.‏ وعكرمة‏.‏ وسفيان بن عيينة‏.‏ ووكيع‏.‏ والحسين بن الفضل‏.‏ والفراء‏.‏ والطبرسي هو الشيب، وفي الأثر ما من شعرة تبيض إلا قالت لأختها استعدى فقد قرب الموت، ومن هنا قيل‏:‏

رأيت الشيب من نذر المنايا *** لصاحبه وحسبك من نذير

وقائلة تخضب يا حبيبي *** وسود شعر شيبك بالعبير

فقلت لها المشيب نذير عمري *** ولست مسوداً وجه النذير

وقيل‏:‏ الحمى، وقيل‏:‏ موت الأهل والأقارب، وقيل‏:‏ كمال العقل، والاقتصار على النذير لأنه الذي يقتضيه المقام، والفاء في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فَذُوقُواْ‏}‏ لترتيب الأمر بالذوق على ما قبلها من التعمير ومجيء النذير، وفي قوله سبحانه‏:‏ ‏{‏فَمَا للظالمين مِن نَّصِيرٍ‏}‏ للتعليل، والمراد بالظلم هنا الكفر، قيل كان الظاهر فما لكم لكن عدل إلى المظهر لتقريعهم، والمراد استمرار نفي أن يكون لهم نصير يدفع عنهم العذاب‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏38‏]‏

‏{‏إِنَّ اللَّهَ عَالِمُ غَيْبِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ ‏(‏38‏)‏‏}‏

‏{‏إِنَّ الله عالم غَيْبِ السموات والارض‏}‏ أي كل غيب فيهما أي لا يخفى عليه سبحانه خافية فيهما فلا تخفى عليه جل شأن أحوالهم التي اقتضت الحكمة أن يعاملوا بهذا هذه المعاملة ولا يخرجوا من النار، وقرأ جناح بن حبيش ‏{‏عالم‏}‏ بالتنوين ‏{‏غَيْبُ‏}‏ بالنصب على المفعولية لعالم ‏{‏إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصدور‏}‏ قيل إنه تعليل لما قبله لأنه تعالى إذا علم مضمرات الصدور وهي أخفى ما يكون كان عز وجل أعلم بغيرها، وفيه نوع خفاء، وقال الإمام‏:‏ إن قوله تعالى‏:‏ ‏{‏إِنَّ الله‏}‏ الخ تقرير لدوامهم في العذاب مع أنهم ما كفروا إلا أياماً معدودة فكأن سائلاً يسأل عن وجه ذلك فقيل‏:‏ إن الله تعالى لا يخفى عليه غيب السماوات والأرض فلا يخفى عليه ما في الصدور فكان يعلم سبحانه من الكافر أن الكفر قد تمكن في قلبه بحيث لو دام إلى الأبد لما أطاع الله تعالى ولا عبده انتهى، وظاهره أن الجملة الأولى تعليل للثانية على عكس ما قيل، ويمكن أن يقال‏:‏ قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فَمَا للظالمين مِن نَّصِيرٍ‏}‏ ‏[‏فاطر‏:‏ 37‏]‏ متضمن نفي أن يكون لهم نصير على سبيل الاستمرار ومستدع خلودهم في العذاب فكان مظنة أن يقال كيف ينفي ذلك على سبيل الاستمرار والعادة في الشاهد قاضية بوجود نصير لمن تطول أيام عذابه فأجيب بأن الله عالم غيب السماوات والأرض على معنى أنه تعالى محيط بالأشياء علماً فلو كان لهم نصير في وقت من الأوقات لعلمه ولما نفى ذلك على سبيل الاستمرار، وكذا مظنة أن يقال‏:‏ كيف يخلدون في العذاب وهم قد ظلموا في أيام معدودة‏؟‏ فأجيب بأنه عليم بذات الصدور على معنى أنه تعالى يعلم ما انطوت عليه ضمائرهم فيعلم أنهم صمموا على ما هم فيه من الضلال والكفر إلى الأبد فكل من الجملتين مستأنف استئنافاً بيانياً فتأمل‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏39‏]‏

‏{‏هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ فَمَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَلَا يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِلَّا مَقْتًا وَلَا يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ إِلَّا خَسَارًا ‏(‏39‏)‏‏}‏

‏{‏هُوَ الذى جَعَلَكُمْ خلائف فِى الارض‏}‏ ملقى إليكم مقاليد التصرف وانتفاع بما فيها أو جعلكم خلفاء ممن قبلكم من الأمم وأورثكم ما بأيديكم من متاع الدنيا لتشكروه بالتوحيد والطاعة أو جعلكم بدل من كان قبلكم من الأمم الذين كذبوا الرسل فهلكوا فلم تتعظوا بحالهم وما حل بهم من الهلاكح، والخطاب قيل عام، واستظهره في البحر، وقيل‏:‏ لأهل مكة، والخلائف جمع خليفة وقد اطرد جمع فعيلة على فعائل وأما الخلفاء فجمع خليف ككريم وكرماء، وجوز الواحدي كونه جمع خليفة أيضاً وهو خلاف المشهور ‏{‏فَمَن كَفَرَ‏}‏ منكم مثل هذه النعمة السنية وغمطها أو فمن استمر على الكفر وترك الايمان بعد أن لطف به وجعل له ما ينبهه على ما يترتب على ذلك ‏{‏فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ‏}‏ أي وبال كفره وجزاؤه لا على غيره‏.‏

‏{‏وَلاَ يَزِيدُ الكافرين كُفْرُهُمْ عِندَ رَبّهِمْ إِلاَّ مَقْتاً‏}‏ أشد الاحتقار والبغض والغضب‏.‏

‏{‏وَلاَ يَزِيدُ الكافرين كُفْرُهُمْ إِلاَّ خَسَاراً‏}‏ في الآخرة، وجملة ‏{‏وَلاَ يَزِيدُ‏}‏ الخ بيان وتفسير لقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ‏}‏ ولزيادة تفصيله نزل منزلة المغاير له ولولا ذلك لفصل عنه، والتكرير لزيادة التقرير والتنبيه على أن اقتضاء الكفر لكل واحد واحد من الأمرين الأمرين المقت والخسارة مستقل باقتضاء قبحه ووجود التجنب عنه بمعنى أنه لو لم يكن الكفر مستوجباً لشيء سوى مقت الله تعالى لكفى ذلك في قبحه وكذا لو لم يستوجب شيئاً سوى الخسار لكفى‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏40‏]‏

‏{‏قُلْ أَرَأَيْتُمْ شُرَكَاءَكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ أَمْ آَتَيْنَاهُمْ كِتَابًا فَهُمْ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْهُ بَلْ إِنْ يَعِدُ الظَّالِمُونَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا إِلَّا غُرُورًا ‏(‏40‏)‏‏}‏

‏{‏قُلْ‏}‏ تبكيتاً لهم ‏{‏قُلْ أَرَءيْتُمْ شُرَكَاءكُمُ الذين تَدْعُونَ مِن دُونِ‏}‏ أي آلهتكم، والإضافة إليهم لأدنى ملابسة حيث أنهم هم الذين جعلوهم شركاء الله تعالى واعتقدوهم كذلك من غير أن يكون له أصل ما أصلاً‏.‏

وقيل‏:‏ الإضافة حقيقية من حيث أنهم جعلوهم شركاء لأنفسهم فيما يملكونه أوجعلهم الله تعالى شركاء لهم في النار كما قال سبحانه ‏{‏إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله حَصَبُ جَهَنَّمَ‏}‏ ‏[‏الأنبياء‏:‏ 89‏]‏ والصفة عليهما مقيدة لا مؤكدة، وسياق النظم الكريم وسباقه ظاهران فيما تقدم ‏{‏أَرُونِى مَاذَا خَلَقُواْ مِنَ الارض‏}‏ بدل اشتمال من ‏{‏أَرَءيْتُمْ‏}‏ لأنه بمعنى أخبروني كأنه قيل‏:‏ أخبروني عن شركائكم أروني أي جزء خلقوا من الأرض حتى يستحقوا الإلهية والشركة‏.‏

وجوز أن يكون بدل كل، وقال أبو حيان‏:‏ لا تجوز البدلية لأنه إذا بدل مما دخل عليه الاستفهام فلا بد من دخول الاداة على البدل، وأيضاً إبدال الجملة من الجملة لم يعهد في لسانهم ثم البدل على نية تكرار العامل ولا يتأنى ذلك ههنا لأنه لا عامل لا رأيتم ثم قال‏:‏ والذي أذهب إليه أن ‏{‏أَرَءيْتُمْ‏}‏ بمعنى أخبروني وهي تطلب مفعولين أحدهما منصوب والآخر مشتمل على الاستفهام كقول العرب أرأيت زيداً ما صنع فالأول هنا ‏{‏شُرَكَاؤُكُمُ‏}‏ والثاني ‏{‏مَاذَا خَلَقُواْ‏}‏ و‏{‏أَرُونِىَ‏}‏ جملة اعتراضية فيها تأكيد للكلام وتسديد، ويحتمل أن يكون ذلك أيضاً من باب الأعمال لأنه توارد على ‏{‏مَاذَا خَلَقُواْ‏}‏ أرأيتم‏.‏ وأروني لأن أروني قد تعلق عن مفعولها الثاني كما علقت رأي التي لم تدخل عليها همزة النقل عن مفعولها في قولهم‏.‏ أما ترى أي برق ههنا ويكون قد اعمل الثاني على المختار عند البصريين انتهى، وما ذكره احتمال في الآية الكريمة كما أن ما ذكر أولاً احتمال وما قاله في رده ليس بشيء، أما الأول فلأن لزوم دخول الاداة على البدل فيما إذا كان الاستفهام باق على معناه أما إذا نسخ عنه كام هنا فليس ذلك بلازم، وأما الثاني فلأن أهل العربية والمعاني نصوا على خلافه وقد ورد في كلام العرب كقوله‏:‏

أقول له ارحل لا تقيمن عندنا *** وإلا فكن في السر والجهر مسلماً

وأما الثالث فلأن كون البدل على نية تكرار العامل إنما هو كما نقل الخفاجي عنهم في بدل المفردات‏.‏

وليس لك أن تقول العامل هنا موجود وهو ‏{‏قُلْ‏}‏ لأن العبرة بالمقول ولا عامل فيه إذ يقال وهو ظاهر، وجوز أن لا يكون ‏{‏أَرَءيْتُمْ‏}‏ بمعنى أخبروني بل المراد حقيقة الاستفهام عن الرؤية وأروني أمر تعجزي للتبيين أي أعلمتم هذه التي تدعونها ما هي وعلى ما هي عليه من العجز أو تتوهمون فيها قدرة فإن كنتم تتعلمونها عاجرة فكيف تعبدونها أو كنتم توهمتم فيها قدرة فأروني أثرها، وما تقدم أظهر ‏{‏أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِى السموات‏}‏ أي بل ألهم شركة مع الله عز وجل في خلق السماوات حتى يستحقوا ما زعمتم فيهم، وقال بعضهم‏:‏ الأولى أن لا يقدر مضاف على أن المعنى أم لهم شركة معه سبحانه في السماوات خلقاً وإبقاء وتصرفاً لأن المقصود نفي آيات الإلهية عن الشركاء وليست محصورة في الخلق والتقدير أوفق بما قبله، والكلام قيل من باب التدرج من الاستقلال إلى إلى الشركة ثم منها إلى حجة وبينة مكتوبة بالشركة كأنه قيل‏:‏ أخبروني عن الذين تدعون من دون الله هل استبدوا بخلق شيء من الأرض حتى يكونوا معبودين مثل الله تعالى بل ألهم شركة معه سبحانه في خلق السماوات ‏{‏قُلْ أَرَءيْتُمْ شُرَكَاءكُمُ‏}‏ أي بل آتيناهم كتاباً ينطق بأنا اتخذناهم شركاء ‏{‏فَهُمْ على بينات مِنْهُ‏}‏ أي حجة ظاهرة من ذلك الكتاب بأن لهم شركة معنا‏.‏

وقال في الكشف‏.‏ الظاهر أن الكلام مبني على الترقي في إثبات الشركة لأن الاستبداد بخلق جزء من الأرض شركة ما معه عز وجل والاشتراك معه سبحانه في خلق السماوات أدل على إثباتها ثم إيتاء كتاب منه تعالى على أنهم شركاؤه أدل وأدل، وقيل‏:‏ هم في ‏{‏ءاتيناهم‏}‏ للمشركين وكذا في فنهم كما في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏أَمْ أَنزَلْنَا عَلَيْهِمْ سلطانا‏}‏ ‏[‏الروم‏:‏ 5 3‏]‏ الخ ففي الكلام التفات من ضمير الخطاب إلى ضمير الغيبة إعراضا عن المشركين وتنزيلاً لهم منزلة الغيب‏.‏

والمعنى أن عبادة هؤلاء إما بالعقل ولا عقل يحكم بصحة عبادة من لا يخلق جزأ ما من الأرض دلالة شرك في السماء وإما بالنقل ولم نؤت المشركين كتاباً فيه الأمر بعبادة هؤلاء، وفيه تفكيك للضمائر، وقال بعضهم‏:‏ ضمير ‏{‏ءاتيناهم‏}‏ للشركاء كالضمائر السابقة وضمير ‏{‏فَهُمْ على بَيّنَةٍ‏}‏ للمشركين و«أم» منقطعة للاضراب عن الكلام السابق وزعم أن لا التفات حينئذ ولا تفكيك فتأمل‏.‏

وقرأ نافع‏.‏ وابن عامر‏.‏ ويعقوب‏.‏ وأبو بكر ‏{‏على بينات‏}‏ بالجمع فيكون إيماء إلى أن الشرك خطير لا بد فيه من تعاضد الدلائل وهو ضرب من التهكم ‏{‏بَلْ إِن يَعِدُ الظالمون بَعْضاً إِلاَّ غُرُوراً‏}‏ لما نفى سبحانه ما نفى من الحجج في ذلك أضرب عز وجل عنه بذكر ما حملهم على الشرك وهو تقرير الأسلاف للاخلاف وإضلال الرؤساء للأتباع بأنهم شفعاء عند الله تعالى يشفعون لهم بالتقرب إليهم، والآية عند الكثير في عبدة الأصنام وحكمها عام؛ وقيل‏:‏ في عبدة غير الله عز وجل صنماً كان أو ملكاً أو غيرهما‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏41‏]‏

‏{‏إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا ‏(‏41‏)‏‏}‏

‏{‏إِنَّ الله يُمْسِكُ السموات والارض *أَن تَزُولاَ‏}‏ استئناف مقرر لغاية قبح الشرك وهو له أي إن الله تعالى يحفظ السماوات والأرض كراهة زوالهما أو لا تزولا وتضمحلا فإن الممكن كما يحتاج إلى الواجب سبحانه حال إيجاده يحتاج إليه حال بقائه، وقال الزجاج‏:‏ ‏{‏يُمْسِكُ‏}‏ بمعنى يمنع و«أن تزولا» مفعوله على الحذف والإيصال لأنه يتعدى بمن أي يمنعهما من أن تزولا، وفي البحر يجوز أن يكون أن تزولا بدل اشتمال من السماوات والأرض أي يمنع سبحانه زوال السماوات والأرض، وفسر بعضهم الزوال بالانتقال عن المكان أي أن الله تعالى يمنع السماوات من أن تنتقل عن مكانها فترتفع أو تنخفض ويمنع الأرض أيضاً من أن تنتقل كذلك، وفي أثر أخرجه عبد بن حميد‏.‏ وجماعة عن ابن عباس ما يقتضيه، وقيل‏:‏ زوالهما دورانهما فهما ساكنتان والدائرة بالنجوم أفلاكها وهي غير السماوات، فقد أخرج سعيد بن منصور‏.‏ وابن جرير‏.‏ وابن المنذر‏.‏ وعبد بن حميد عن شقيق قال‏:‏ قيل لابن مسعود إن كعباً يقول‏:‏ إن السماءتدور في قطبة مثل قطبة الرحى في عمود على منكب ملك فقال‏:‏ كذب كعب إن الله تعالى يقول‏:‏ ‏{‏إِنَّ الله يُمْسِكُ السماوات والارض أَن تَزُولاَ‏}‏ وكفى بها زوالاً أن تدور، والمنصور عند السلف أن السماوات لا تدور وانها غير الافلاك، وكثير من الإسلاميين ذهبوا إلى أنها تدور وأنها ليست غير الأفلاك، وأما الأرض فلا خلاف بين المسلمين في سكونها والفلاسفة مختلفون والمعظم على السكون، ومنهم من ذهب إلى أنها متحركة وأن الطلوع والغروب بحركتها ورد ذلك في موضعه، والأولى في تفسير الآية ما سمعت أولا وكذا كونها مسوقة لما ذكرنا، وقيل إنه تعالى لما بين فساد أمر الشركاء ووقف على الحجة في بطلانها عقب بذلك عظمته عز وجل وقدرته سبحانه ليتبين الشيء بضده وتتأكد حقارة الأصنام بذكر عظمة الله عز وجل ‏{‏وَلَئِن زَالَتَا‏}‏ أي ان أشرفتا على الزوال على سبيل الفرض والتقدير، ويؤيده قراءة ابن أبي عبلة ‏{‏وَلَوْ زَالَتَا‏}‏ وقيل إن ذلك إشارة إلى ما يقع يوم القيامة من طي السماوات ونسف الجبال‏.‏

‏{‏إِنْ أَمْسَكَهُمَا‏}‏ أي ما أمسكهما ‏{‏مِنْ أَحَدٍ مّن بَعْدِهِ‏}‏ أي من بعد إمساكه تعالى أو من بعد الزوال، والجملة جواب القسم المقدر قبل لام التوطئة في «لئن» وجواب الشرط محذوف لدلالة جواب القسم عليه، وأمسك بمعنى يمسك كما في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَلَئِنْ أَتَيْتَ الذين أُوتُواْ الكتاب بِكُلّ ءايَةٍ مَّا تَبِعُواْ قِبْلَتَكَ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 145‏]‏ ومن الأول مزيدة لتأكيد العموم والثانية للابتداء ‏{‏إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا‏}‏ فلذا حلم على المشركين وغفر لمن تاب منهم مع عظم جرمهم المقتضى لتعجيل العقوبة وعدم إمساك السماوات والأرض وتخريب العالم الذي هم فيه فلا يتوهم أن المقام يقتضي ذكر القدرة لا الحلم والمغفرة‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏42‏]‏

‏{‏وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدَى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ فَلَمَّا جَاءَهُمْ نَذِيرٌ مَا زَادَهُمْ إِلَّا نُفُورًا ‏(‏42‏)‏‏}‏

‏{‏وَأَقْسَمُواْ بالله جَهْدَ أيمانهم‏}‏ أي حلفوا واجتهدوا في الحلف أن يأتوا به على أبلغ ما في وسعهم ‏{‏لَئِن جَاءهُمْ نَذِيرٌ لَّيَكُونُنَّ أهدى مِنْ إِحْدَى الامم‏}‏ الضمائر لقريش، وذلك أنهم بلغهم قبل مبعث النبي صلى الله عليه وسلم أن طائفة من أهل الكتاب كذبوا رسلهم فقالوا‏:‏ لعن الله تعالى اليهود والنصارى أتتهم الرسل فكذبوهم فوالله لئن جاءنا رسول لنكونن أهدى من إحدى الأمم فكان منهم بعد ما كان فأنزل الله تعالى هذه الآية ‏{‏وَلَئِنِ جَاءهُمُ‏}‏ جاء على المعنى وإلا فهم قالوا‏:‏ ‏{‏جَاءنَا‏}‏ وكذا ‏{‏لَّيَكُونُنَّ‏}‏ وإحدى بمعنى واحدة، والظاهر أنها عامة وإن كانت نكرة في الإثبات لاقتضاء المقام العموم، وتعريف ‏{‏الامم‏}‏ للعهد والمراد الأمم الذين كذبوا رسلهم أي لئن جاءنا نذير لنكونن أهدى من كل واحدة من الأمم اليهود والنصارى وغيرهم فنؤمن جميعاً ولا يكذب أحد منا أو المعنى لنكونن أهدى من أمة يقال فيها إحدى الأمم تفضيلاً لها على غيرها من الأمم كما يقال هو واحد القوم وواحد عصره وكما قالوا هو أحد الأحدين وهي إحدى الأحد يريدون التفضيل في الدعاء والعقل، قال الشاعر‏:‏

حتى استشاروا بي إحدى الأحد *** ليثا هزبرا ذا سلاح معتد

وقد نص ابن مالك في التسهيل على أنه قد يقال لما يستعظم مما لا نظير له هو إحدى الأحد لكن قال الدماميني في شرحه‏:‏ إنما ثبت استعماله في احدى ونحوه المضاف إلى جمع مأخوذ من لفظه كاحدى الأحد وأحد الأحدين أو المضاف إلى وصف كاحد العلماء وإحدى الكبر أما في المضاف إلى أسماء الأجناس كالأمم فيحتاج إلى نقل، وبحث فيه بأنه قد ثبت استعمال إحدى في الاستعظام من دون إضافة أصلا فإنهم يقولون للداهية العظيمة هي إحدى من سبع أي احدى ليالي عاد في الشدة وشاع واحد قومه وأوحدهم وأوحد أمه ولم يظهر فارق بين المضاف إلى الجمع المأخوذ من اللفظ والمضاف إلى الوصف وبين المضاف إلى أسماء الأجناس ولا أظن أن مثل ذلك يحتاج إلى نقل فليتدبر‏.‏

وقال صاحب الكشف‏:‏ إن دلالة ‏{‏إِحْدَى الامم‏}‏ على التفضيل ليست بواضحة بخلاف واحد القوم ونحوه ثم وجهها أنه على أسلوب‏.‏ أو يرتبط بعض النفوس حمامها‏.‏ يعني أن البعض المبهم قد يقصد به التعظيم كالتنكير فاحدى مثله، وفيه أنه متى ثبت استعماله للاستعظام كانت دلالته على التفضيل في غاية الوضوح‏.‏

‏{‏فَلَمَّا جَاءهُمْ نَذِيرٌ‏}‏ وأي نذير وهو أشرف الرسل محمد صلى الله عليه وسلم كما روي عن ابن عباس‏.‏ وقتادة وهو الظاهر، وعن مقاتل هو انشقاق القمر وهو أخفي من السها والمقام عنه يأبى ‏{‏مَّا زَادَهُمْ‏}‏ أي النذير أو مجيئه ‏{‏إِلاَّ نُفُورًا‏}‏ تباعدا عن الحق وهرباً منه، وإسناد الزيادة إلى ذلك مجاز لأنه هو السبب لها‏.‏ والجملة جواب لما‏.‏

واستدل بالآية على حرفيتها لمكان النفي المانع عن عمل ما بعده فيها، وفيه بحث، وقوله تعالى‏:‏

تفسير الآية رقم ‏[‏43‏]‏

‏{‏اسْتِكْبَارًا فِي الْأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا سُنَّةَ الْأَوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَحْوِيلًا ‏(‏43‏)‏‏}‏

‏{‏استكبارا فِى الارض‏}‏ بدل من ‏{‏نُفُورًا‏}‏ وقال أبو حيان‏:‏ الظاهر أنه مفعول من أجله، ونقل الأول عن الأخفش، وقيل‏:‏ هو حال أي مستكبرين ‏{‏وَمَكْرَ‏}‏ هو الخداع الذي يرومونه برسول الله صلى الله عليه وسلم والكيد له، وقال قتادة هو الشرك وروي ذلك عن ابن جريرج، وهو عطف على ‏{‏واستكبروا استكبارا‏}‏ وأصل التركيب وأن مكروا الشيء على أن ‏{‏السيء‏}‏ صفة لموصوف مقدر أي المكر المسيء ثم أقيم المصدر مقام أن والفعل وأضيف إلى ما كان صفة، وجوز أن يكون عطفاً على ‏{‏إِلاَّ نُفُورًا‏}‏ وقرأ الأعمش‏.‏ وحمزة ‏{‏السيء‏}‏ باسكان الهمزة في الوصل إجراء له مجرى الوقف أو لتو إلى الحركات وإجراء المنفصل مجرى المتصل، وزعم الزجاج أن هذه القراءة لحن لما فيها من حذف الاعراب كما قال أبو جعفر‏.‏

وزعم محمد بن زيد أن الحذف لا يجوز في نثر ولا شعر لأن حركات الاعراب دخلت للفرق بين المعاني، وقد أعظم بعض النحويين أن يكون الأعمش قرأ بها، وقال‏:‏ إنما كان يقف على هذه الكلمة فغلط من أدى عنه، والدليل على هذا أنها تمام الكلام ولذا لم يقرأ في نظيرها كذلك مع أن الحركة فيه أثقل لأنها ضمة بين كسرتين، والحق أنها ليست بلحن، وقد أكثر أبو علي في الحجة من الاستشهاد والاحتجاج للإسكان من أجل توالي الحركات والوصل بنية الوقف، وقال ابن القشيري‏:‏ ما ثبت بالاستفاضة أو التواتر أنه قرىء به فلا بد من جوازه ولا يجوز أن يقال لحن، ولعمري أن الإسكان ههنا أحسن من الإسكان في ‏{‏إلى بَارِئِكُمْ‏}‏ كما في قراءة أبي عمرو، وروي عن ابن كثير ‏{‏وَمَكْرَ‏}‏ بهمزة ساكنة بعد السين وياء بعدها مكسورة وهو مقلوب السيء المخفف من السيء كما قال الشاعر‏:‏

ولا يجزون من حسن بسيء *** ولا يجزون من غلظ بلين

وقرأ ابن مسعود ‏{‏مَكْرًا سَيّئاً‏}‏ عطف نكرة على نكرة ‏{‏وَلاَ يَحِيقُ المكر‏}‏ أي لا يحيط ‏{‏السيىء إِلاَّ بِأَهْلِهِ‏}‏‏.‏

وقال الراغب‏:‏ أي لا يصيب ولا ينزل، وأياً ما كان فهو إنما ورد فيما يكره، وزعم بعضهم أن أصل حلق حق فجيء بدل أحد المثلين بالألف نحو ذم وذام وزل وزال، وهذا من ارسال المثل ومن أمثال العرب من حفر لأخيه جبا وقع فيه منكبا، وعن كعب أنه قال لابن عباس‏:‏ قرأت في التوراة من حفر مغواة وقع فيها قال‏:‏ أنا وجدت ذلك في كتاب الله تعالى فقرأ الآية، وفي الخبر «لا تمكروا ولا تعينوا ماكراً فإن الله تعالى يقول ولا يحيق المكر السيء إلا بأهله ولا تبغوا ولا تعينوا باغياً فإن الله سبحانه يقول ‏{‏إنما بغيكم على أنفسكم‏}‏ ‏[‏يونس‏:‏ 23‏]‏»

وقد حاق مكر هؤلاء بهم يوم بدر‏.‏

والآية عامة على الصحيح والأمور بعواقبها والله تعالى يمهل ولا يهمل ووراء الدنيا الآخرة وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون، وبالجملة من مكر به غيره ونفذ فيه المكر عاجلاً في الظاهرففي الحقيقة هو الفائز والماكر هو الهالك، أسأل الله تعالى بحرمة حبيبه الأعظم صلى الله عليه وسلم أن يدفع ويرفع عنا مكر الماكرين وأن يعاملهم في الدارين بعدله إنه سبحانه القوى المتين‏.‏ وقرىء ‏{‏وَلاَ يَحِيقُ‏}‏ بضم الياء ‏{‏المكر‏}‏ بالنصب على أن يحيق من أحاق المتعدى وفاعله ضمير راجع إليه تعالى و‏{‏يَحِيقُ المكر‏}‏ مفعوله ‏{‏فَهَلْ يَنظُرُونَ‏}‏ أي ما ينتظرون، وهو مجاز بجعل ما يستقبل بمنزلة ما ينتظر ويتوقع ‏{‏إِلا سُنَّتُ الاولين‏}‏ أي إلا سنة الله تعالى فيهم بتعذيب مكذبيهم‏.‏

‏{‏فَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ الله تَبْدِيلاً‏}‏ بأن يضع سبحانه موضع العذاب ‏{‏وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ الله تَحْوِيلاً‏}‏ بأن ينقل عذابه من المكذبين إلى غيرهم، والفاء لتعليل ما يفيده الحكم بانتظارهم العذاب من مجيئه، ونفي وجدان التبديل والتحويل عبارة عن نفي وجودهما بالطريق البرهاني، وتخصيص كل منهما بنفي مستقل لتأكيد انتفائهما، والخطاب عام أو خاص به عليه الصلاة والسلام‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏44‏]‏

‏{‏أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَكَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا ‏(‏44‏)‏‏}‏

‏{‏أَوَ لَمْ يَسِيرُواْ فِى الارض فَيَنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عاقبة الذين مِن قَبْلِهِمْ‏}‏ استشهاد على ما قبله من جريان سنة الله تعالى على تعذيب المكذبين بما يشاهدونه في مسايرهم ومتاجرهم في رحلتهم إلى الشام واليمن والعراق من آثار الأمم الماضية وعلامات هلاكهم، والهمزة للانكار والواو للعطف على مقدر يليق بالمقام على رأي أي أقعدوا ولم يسيروا، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَكَانُواْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً‏}‏ في موضع الحال بتقدير قد أو بدونها‏.‏

‏{‏وَمَا كَانَ الله لِيُعْجِزَهُ‏}‏ أي ليس من شأنه عز شأنه أن يسبقه ويفوته ‏{‏مِن شَىْء‏}‏ أي شيء ومن لاستغراق الأشياء ‏{‏فِي السماوات وَلاَ فِى الارض‏}‏ هو نظير ‏{‏لاَ يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً‏}‏ ‏[‏الكهف‏:‏ 49‏]‏ والواو حالية أو عاطفة‏.‏

وفي الإرشاد الجملة اعتراض مقرر لما يفهم مما قبله من استئصال الأمم السالفة، وظاهره أن الواو اعتراضية‏.‏

‏{‏إِنَّهُ كَانَ عَلِيماً قَدِيراً‏}‏ مبالغاً في العلم والقدرة، والجملة تعليل لنفي الإعجاز‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏45‏]‏

‏{‏وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيرًا ‏(‏45‏)‏‏}‏

‏{‏وَلَوْ يُؤَاخِذُ الله الناس‏}‏ جميعاً ‏{‏بِمَا كَسَبُواْ‏}‏ فعلوا من السيآت كما واخذ أولئك ‏{‏مَا تَرَكَ على ظَهْرِهَا‏}‏ أي ظهر الأرض وقد سبق ذكرها في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فِي السموات وَلاَ فِى الارض‏}‏ ‏[‏فاطر‏:‏ 44‏]‏ فليس من الاضمار قبل الذكر كما زعمه الرضى؛ وظهر الأرض مجاز عن ظاهرها كما قال الراغب‏.‏ وغيره، وقيل‏:‏ في الكلام استعارة مكنية تخييلية والمراد ما ترك عليها ‏{‏مِن دَابَّةٍ‏}‏ أي من حيوان يدب على الأرض لشؤم المعاصي، وقد قال سبحانه ‏{‏واتقوا فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الذين ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَاصَّةً‏}‏ ‏[‏الأنفال‏:‏ 25‏]‏ وهو المروى عن ابن مسعود، وقيل‏:‏ المراد بالدابة الانس وحدهم وأيد بقوله تعالى‏:‏ ‏{‏ولكن يُؤَخِرُهُمْ إلى أَجَلٍ مسمى‏}‏ وهو يوم القيامة فإن الضمير للناس لأنه ضمير العقلاء ويوم القيامة الأجل المضروب لبقاء نوعهم، وقيل‏:‏ هو لجميع من ذكر تغليباً ويوم القيامة الأجل المضروب لبقاء جنس المخلوقات ‏{‏فَإِذَا جَاء أَجَلُهُمْ فَإِنَّ الله كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيراً‏}‏ فيجازي المكلفين منهم عند ذلك بأعمالهم إن شرا فشر وإن خيراً فخير، وجملة «فإن الله» الخ موضوعة موضع الجزاء والجزاء في الحقيقة يجازي كما أشرنا إليه، هذا والله تعالى هو الموفق للخير ولا اعتماد إلا عليه‏.‏

ومن باب الإشارة‏:‏ ‏{‏الحمد للَّهِ فَاطِرِ السموات والارض‏}‏ إشارة إلى إيجاد عاملي اللطافة والكثافة وإلى أن إيجاد عالم اللطافة مقدم على إيجاد عالم الكثافة، ويشير إلى ذلك ما شاع خلق الله تعالى الأرواح قبل الأبدان بأربعة آلاف سنة ‏{‏جَاعِلِ الملائكة رُسُلاً‏}‏ في إيصال أو أمره من يشاء من عباده أو وسائط تجري إرادته سبحانه في مخلوقاته على أيديهم ‏{‏أُوْلِى أَجْنِحَةٍ مثنى وثلاث ورباع‏}‏ إشارة إلى اختلافهم في الاستعداد ‏{‏يَزِيدُ فِى الخلق مَا يَشَاء‏}‏ ‏[‏فاطر‏:‏ 1‏]‏ عام في الملك وغيره، وفسرت الزيادة بهبة استعداد رؤيته عز وجل ‏{‏للذين أحسنوا الحسنى وزيادة‏}‏ ‏[‏يونس‏:‏ 26‏]‏ ‏{‏مَّا يَفْتَحِ الله لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ‏}‏ الزيادة المشار إليها وغيرها ‏{‏فَلاَ مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلاَ مُرْسِلَ لَهُ مِن بَعْدِهِ‏}‏ ‏[‏فاطر‏:‏ 2‏]‏ فيه إشارة إلى أن رحمته سبحانه سبقت غضبه عز وجل ‏{‏وَإِن يُكَذّبُوكَ فَقَدْ كُذّبَتْ رُسُلٌ مّن قَبْلِكَ‏}‏ ‏[‏فاطر‏:‏ 4‏]‏ تسلية لحبيه صلى الله عليه وسلم وإرشاد لورثته إلى الصبر على إيذاء اعدائهم لهم وتكذيبهم إياهم وإنكارهم عليهم ‏{‏والله الذى أَرْسَلَ الرياح فَتُثِيرُ سحابا فَسُقْنَاهُ إلى بَلَدٍ مَّيّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ الارض بَعْدَ مَوْتِهَا‏}‏ ‏[‏فاطر‏:‏ 9‏]‏ جرت سنته تعالى في أحياء الأرض بهذه الكيفية كذلك إذا أراد سبحانه احياء أرض القلب فيرسل أولا رياح الإرادة فتسير سحاب المحبة ثم يأتي مطر الجود والعناية فينبت في القلب رياحين الروح وأزهار البسط ونوار الأنوار ويطيب العيش‏.‏

‏{‏مَن كَانَ يُرِيدُ العزة فَلِلَّهِ العزة جَمِيعاً‏}‏

‏[‏فاطر‏:‏ 0 1‏]‏ إشارة إلى أن العزة الحقيقية لا تحصل بدون الفناء، ولا تغفل عن حديث «لا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل» الخ ‏{‏والله خَلَقَكُمْ مّن تُرَابٍ‏}‏ وهو أبعد المخلوقات من الحضرة وأسفلها وأكثفها ‏{‏ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ‏}‏ وفيها نوع ما من اللطافة ‏{‏ثُمَّ جَعَلَكُمْ أزواجا‏}‏ ‏[‏فاطر‏:‏ 11‏]‏ إشارة إلى ما حصل لهم من ازدواج الروح اللطيف العلوي والقالب الكثيف السفلى وهو مبدأ استعداد الوقوف على عوالم الغيب والشهادة ‏{‏وَمَا يَسْتَوِى البحران‏}‏ قيل أي بحر العلم الوهبي وبحر العلم الكسبي ‏{‏هذا‏}‏ أي بحر العلم الوهبي ‏{‏عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ‏}‏ لخلوه عن عوارض الشكوك والأوهام ‏{‏وهذا‏}‏ أي بحر العلم الكسبي ‏{‏مِلْحٌ أُجَاجٌ‏}‏ لما فيه من مشقة الفكر ومرارة الكسب وعروض الشكوك والتردد والاضطراب ‏{‏وَمِن كُلّ تَأْكُلُونَ لَحْماً طَرِيّاً‏}‏ إشارات لطيفة تتغذون بها وتتقون على الأعمال ‏{‏وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا‏}‏ وهي الأخلاق الفاضلة والآداب الجميلة والأحوال المستحسنة التي تكسب صاحبها زينة ‏{‏وَتَرَى الفلك‏}‏ سفن الشريعة والطريقة ‏{‏فِيهِ مَوَاخِرَ‏}‏ جارية ‏{‏لِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ‏}‏ ‏[‏فاطر‏:‏ 2 1‏]‏ بالوصول إلى حضرته عز وجل فعل ذلك ‏{‏خَبِيرٍ ياأيها الناس أَنتُمُ الفقراء إِلَى الله‏}‏ في سائر شؤونكم، ومراتب الفقر متغاوتة وكلما ازداد الإنسان قرباً منه عز وجل ازداد فقره إليه لازدياد المحبة حينئذ وكلما زاد العشق زاد فقر العاشق إلى المعشوق حتى يفني ‏{‏والله هُوَ الغنى الحميد‏}‏ ‏[‏فاطر‏:‏ 5 1‏]‏ فيه من البشارة ما فيه ‏{‏إِنَّمَا يَخْشَى الله مِنْ عِبَادِهِ العلماء‏}‏ ‏[‏فاطر‏:‏ 8 2‏]‏ أي العلماء به تعالى وبشؤونه فهم كلما ازدادوا علما ازدادوا خشية لما يظهر لهم من عظمته عز وجل وأنهم بالنسبة إليه تعالى شأنه لا شيء ‏{‏ثُمَّ أَوْرَثْنَا الكتاب الذين اصطفينا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظالم لّنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بالخيرات بِإِذُنِ الله‏}‏ ‏[‏فاطر‏:‏ 2 3‏]‏ قيل‏:‏ الظالم لنفسه السالك والمقتصد السالك المجذوب والسابق المجذوب السالك، والسالك هو المتقرب والمجذوب هو المقرب والمجذوب السالك هو المستهلك في كمالات القرب الفاني عن نفسه الباقي بربه عز وجل ‏{‏وَقَالُواْ الحمد للَّهِ الذى أَذْهَبَ عَنَّا الحزن‏}‏ حزن تخيل الهجر فلا حزن للعاشق أعظم من حزن تخيل هجر معشوقه له وجفوته إياه ‏{‏إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ‏}‏ ‏[‏فاطر‏:‏ 4 3‏]‏ فلا بدع إذا أذهب عنا ذلك وآمننا من القطيعة والهجران ‏{‏الذى أَحَلَّنَا دَارَ المقامة مِن فَضْلِهِ لاَ يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ‏}‏ هو نصب الأبدان وتعبها من أعمال الطاعة للتقرب إليه سبحانه ‏{‏وَلاَ يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ‏}‏ ‏[‏فاطر‏:‏ 5 3‏]‏ هو لغوب القلوب واضطرابها من تخيل القطيعة والرد وهجر الحبيب، وقيل‏:‏ لا يسمنا فيها نصب السعي في تحصيل أي أمر اردناه ولا يمسنا فيها لغوب تخيل ذهاب أي مطلوب حصلناه، وقد أشاروا إلى أن كل ذلك من فضل الله تاعلى والله عز وجل ذو الفضل العظيم، هذا ونسأل الله تعالى من فضله الحلو ما تنشق منه مرارة الحسود وينفطر به قلب كل عدو وينتعش فؤاد كل محب ودود‏.‏

‏[‏سورة يس‏]‏

تفسير الآية رقم ‏[‏1‏]‏

‏{‏يس ‏(‏1‏)‏‏}‏

‏{‏يس‏}‏ الكلام فيه كالكلام في ‏{‏الم‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 1‏]‏ ونحوه من الحروف المقطعة في أوائل السور إعراباً ومعنى عند كثير‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة‏.‏ وعبد بن حميد‏.‏ وابن جرير‏.‏ وابن المنذر‏.‏ وابن أبي حاتم من طرق عن ابن عباس أنه قال‏:‏ يس يا انسان‏.‏ وفي رواية أخرى عنه زيادة بالحبشية‏.‏ وفي أخرى عنه أيضاً في لغة طي‏.‏

قال الزمخشري‏:‏ إن صح هذا فوجهه أن يكون أصله يا أنيسين فكثر النداء به على ألسنهم حتى اقتصروا على شطره كما في القسم م الله في أيمن الله‏.‏ وتعقبه أبو حيان بأن المنقول عن العرب في تصغير إنسان أنيسيان بياء قبل الألف وهو دليل على أن الإنسان من النسيان وأصله انسيان فلما صغر رده التصغير إلى أصله ولا نعلمهم قالوا في تصغيره انيسين، وعلى تقدير أنه بقية أنيسين فلا يجوز ذلك إلا أن يبنى على الضم ولا يبقى موقوفاً لأنه منادى مقبل عليه ومع ذلك لا يجوز التصغير في أسماء الأنبياء عليهم السلام كما لا يجوز في أسماء الله عز وجل، وما ذكره في م من أنه شطر أيمن قول، ومن النحويين من يقول م حرف قسم وليس شطر أيمن انتهى‏.‏

قال الخفاجي‏:‏ لزوم البناء على الضم مما لا كلام فيه فلعل من فسره بذلك يقرؤه بالضم على الأوجه فيه، وأما الاعتراضان الآخران فلا ورود لهما أصلاً، فأما الأول فلأن من يقول أنيسيان على خلاف القياس وهو الأصح لا يلزمه فيما غير منه أن يقدره كذلك وهو لم يلفظ به حتى يقال له‏:‏ نطقت بما لم تنطق به العرب بل هو أمر تقديري، فإذا قال‏:‏ المقدر مفروض عندي على القياس هل يتوجه عليهالسؤال، وأما الأخير فلأن التصغير في نحو ذلك إنما يمتنع منا وأما من الله تعالى فله سبحانه أن يطلق على نفسه عز وجل وعظماء خلقه ما أراد ويحمل حينئذ على ما يليق كالتعظيم والتحبيب ونحوه من معاني التصغير كما قال ابن الفارض‏:‏

ما قلت حبيبي من التحقير *** بل يعذب اسم الشيء بالتصغير

والذي قاله أبو حيان في توجيه ذلك أنهم يقولون إيسان بمعنى إنسان ويجمعون على أياسين فهذا منه ولا يخفى أنه يحتاج إلى إثبات وبعده لا يخفى ما في التخريج عليه، وقالت فرقة‏:‏ يا حرف نداء والسين مقامة مقام إنسان انتزع منه حرف فأقيم مقامه، ونظيره ما جاء في الحديث «كفى بالسيف شا» أي شاهداً، وأيد بما ذهب إليه ابن عباس في ‏{‏حم عسق‏}‏ ‏[‏الشورى‏:‏ 1، 2‏]‏ ونحوه من أنها حروف من جملة أسماء له تعالى وهي رحيم وعليم وسميع وقدير ونحو ذلك‏.‏

وظاهر كلام بعضهم كابن جبير أن يس بمجموعه اسم من أسمائه عليه الصلاة والسلام وهو ظاهر قول السيد الحمري‏:‏

يا نفس لا تمحضي بالود جاهدة *** على المودة إلا آل ياسينا

ولتسميته صلى الله عليه وسلم بهذين الحرفين الجليلين سر جليل عند الواقفين على أسرار الحروف، وقد تكلمت ولله تعالى الحمد فيما تعلق بهذه الكلمة الشريفة ثلاثة أيام أشرع كل يوم منها بعد العصر وأختم قبيل المغرب وذلك في مجلس وعظي في المسجد الجامع الداودي واليوم لا أستطيع أن أذكر من ذاك بنت شفة بل لا أتذكر منه إلا رسماً هب عليه عاصف الزمان الغشوم فنسفه فحسبي الله عمن سواه فلا رب غيره ولا يرجى إلا خيره‏.‏

وقرىء بفتح الياء وإمالتها محضاً وبين بين‏.‏

وقرأ جمع بسكون النون مدغمة في الواو، وآخرون بسكونها مظهرة والقراءتان سبعيتان، وقرأ ابن أبي إسحاق‏.‏ وعيسى بفتح النون، قال أبو حاتم قياس قول قتادة‏:‏ إنه قسم أن يكون على حد الله لأفعلن بالنصب‏.‏

ويجوز أن يكون مجروراً بإضمار باء القسم وهو ممنوع من الصرف‏.‏ وقال الزجاج‏:‏ النصب على تقدير أتل يس وهذا على قول سيبويه أنه اسم للسورة، وقيل هو مبني والتحريك للجد في الهرب من التقاء الساكنين والفتح للخفة كما في أين، وسبب البناء غير خفي عليك إذا أحطت خبراً بما قرروا في ‏{‏الم‏}‏ أول سورة البقرة‏.‏

ولا تغفل عما قالوا في النصب بإضمار فعل القسم من أنه لا يسوغ لما فيه من جمع قسمين على مقسم عليه واحد وهو مستكره، ولا سبيل إلى جعل الواو بعد للعطف لا للقسم لمكان الاختلاف إعراباً‏.‏

وقرأ الكلبي بضم النون وخرج على أنه منادى مقصود بناءً على أنه بمعنى إنسان أو على أنه خبر مبتدأ محذوف أو مبتدأ خبره محذوف، ويقدر هذه إذا كان اسماً للسورة وهذا إن كان اسماً للقرآن وهو يطلق على البعض كما يطلق على الكل، وجعله مبتدأ محذوف الخبر وهو قسم أي يس قسمي نحو أمانة الله لأفعلن بالرفع لا يخفى حاله، وقيل الضمة فيه ضمة بناءً كما في حيث‏.‏

وقرأ أبو السمال‏.‏ وابن أبي إسحاق أيضاً بكسرها، وخرج على أنه للجد في الهرب عن الساكنين بما هو الأصلي فتأمل وتذكر‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏2‏]‏

‏{‏وَالْقُرْآَنِ الْحَكِيمِ ‏(‏2‏)‏‏}‏

‏{‏والقرءان‏}‏ ابتداء قسم، وجوز أن يكون عطفاً على يس على تقدير كونه مجروراً بإضمار باء القسم لا أنه قسم بعد قسم لما سمعت من كلامهم ‏{‏الحكيم‏}‏ أي ذي حكمة على أنه صيغة نسبة كلابن وتأمر أي متضمن إياها أو الناطق بالحكمة كالحي على أن يكون من الاستعارة المكنية أو المتصف بالحكمة على أن الإسناد مجازي وحقيقته الإسناد إلى الله تعالى المتكلم به‏.‏ وفي «البحر» هو إما فعيل بمعنى مفعل كأعقدت العسل فهو عقيد أي معقد وإما للمبالغة من حاكم‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏3‏]‏

‏{‏إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ ‏(‏3‏)‏‏}‏

‏{‏إِنَّكَ لَمِنَ المرسلين‏}‏ جواب للقسم، والجملة لرد إنكار الكفرة رسالته عليه الصلاة والسلام فقد قالوا‏:‏ ‏{‏لَسْتَ مُرْسَلاً‏}‏ ‏[‏الرعد‏:‏ 43‏]‏ وتقدم ما يشعر بأنهم على جانب عظيم من الإنكار أعني قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فَلَمَّا جَاءهُمْ نَذِيرٌ مَّا زَادَهُمْ إِلاَّ نُفُوراً‏}‏ ‏[‏فاطر‏:‏ 42 43‏]‏ استكباراً في الأرض ومكر السيء، وهذه الآية من جملة ما أشير إليه بقوله تعالى في جوابهم عن إنكارهم ‏{‏قُلْ كفى بالله شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ‏}‏ ‏[‏الرعد‏:‏ 3 4‏]‏ وتخصيص القرآن بالإقسام به أولاً وبوصفه بالحكيم ثانياً تنويه بشأنه على أكمل وجه‏.‏

وقوله تعالى‏:‏

تفسير الآية رقم ‏[‏4‏]‏

‏{‏عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ‏(‏4‏)‏‏}‏

‏{‏على صراط مُّسْتَقِيمٍ‏}‏ خبر ثان لأن، واختاره الزجاج قائلاً‏:‏ إنه الأحسن في العربية أو حال من ضميره عليه الصلاة والسلام المستكن في الجار والمجرور أو الواقع اسم إن بناءً على رأي من يجوز الحال من المبتدأ؛ وجوز أن يكون متعلقاً بالمرسلين وليس المراد به الحال أو الاستقبال أي لمن الذين أرسلوا على صراط مستقيم، وأن يكون حالاً من عائد الموصول المستتر في اسم الفاعل، أو حالاً من نفس ‏{‏المرسلين‏}‏ ‏[‏يس‏:‏ 3‏]‏‏.‏

والزمخشري لم يذكر من هذه الأوجه سوى كونه خبراً وكونه صلة للمرسلين، وأياً ما كان فالمراد بالصراط المستقيم ما يعم العقائد والشرائع الحقة وليس الغرض من الإخبار الإعلام بتمييز من أرسل على صراط مستقيم عن غيره ممن ليس على صفته ليقال إن ذلك حاصل قبله لما أن كل أحد يعلم أن المرسلين لا يكونون إلا على صراط مستقيم بل الغرض الإعلام بأنه موصوف بكذا وأن ما جاء به الموصوف بكذا تفخيماً لشأنهما فسلكا في مسلك سلوكاً لطريق الاختصار، وأيضاً التنكير في ‏{‏صراط‏}‏ للتفخيم فهو دال على أنه أرسل من بين الصرط المستقيمة على صراط لا يكتنه وصفه وهذا شيء لم يعلم قبل، ولا يرد أن الطريق المستقيم واحد ليس إلا ألا ترى إلى قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فاتبعوه وَلاَ تَتَّبِعُواْ السبل‏}‏ ‏[‏الأنعام‏:‏ 153‏]‏ لأن لكل نبي شارع منهاجاً هو مستقيم وباعتبار الرجوع إلى المرسل تعالى شأنه الكل متحد وباعتبار الاختصاص بالمرسل والشرائع مختلف فصح أنه أرسل من بني الصرط المستقيمة الخ‏.‏ وأيضاً هو فرض والفرض تعظيم هذا الصراط بأنه لا صراط أقوم منه واقعاً أو مفروضاً ولا نظر إلى أن هنالك آخر أولاً، وهذا قريب من أسلوب مثلك لا يفعل كذا فافهم ولا تغفل‏.‏

وقوله تعالى‏:‏

تفسير الآية رقم ‏[‏5‏]‏

‏{‏تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ ‏(‏5‏)‏‏}‏

‏{‏تَنزِيلَ العزيز الرحيم‏}‏ نصب على المدح أو على المصدرية لفعل محذوف أي نزل تنزيل‏.‏

وقرأ جمع من السبعة وأبو بكر‏.‏ وأبو جعفر‏.‏ وشيبة‏.‏ والحسن‏.‏ والأعرج‏.‏ والأعمش بالرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف والمصدر بمعنى المفعول أي هو تنزيل أي منزل العزيز الرحيم، والضمير للقرآن ويجوز إبقاؤه على أصله بجعله عين التنزيل؛ وجوز أن يكون خبر ‏{‏يس‏}‏ إن كان المراد بها السورة والجملة القسمية معترضة، والقسم لتأكيد المقسم عليه والمقسم به اهتماماً فلا يقال‏:‏ إن الكفار ينكرون القرآن فكيف يقسم به لإلزامهم‏.‏

وقرأ أبو حيوة‏.‏ واليزيدي‏.‏ والقورضي عن أبي جعفر‏.‏ وشيبة بالخفض على البدلية من ‏{‏القرءان‏}‏ أو الوصفية له‏.‏

وأياً ما كان ففيه إظهار لفخامة القرآن الإضافية بعد بيان فخامته الذاتية بوصفه بالحكمة، وفي تخصيص الاسمين الكريمين المعربين عن الغلبة الكاملة والرحمة الفاضلة حث على الإيمان به ترهيباً وترغيباً وإشعاراً بأن تنزيله ناشىء عن غاية الرحمة حسبما أشار إليه قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَمَا أرسلناك إِلاَّ رَحْمَةً للعالمين‏}‏ ‏[‏الأنبياء‏:‏ 107‏]‏‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏6‏]‏

‏{‏لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آَبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ ‏(‏6‏)‏‏}‏

‏{‏لّتُنذِرَ‏}‏ متعلق بتنزيل أو بفعله المضمر على الوجه الثاني في إعرابه أي نزل تنزيل العزيز الرحيم لتنذر به أو بما يدل عليه ‏{‏لَمِنَ المرسلين‏}‏ ‏[‏يس‏:‏ 3‏]‏ أي أرسلت أو إنك مرسل لتنذر ‏{‏قَوْماً مَّا أُنذِرَ ءابَاؤُهُمْ‏}‏ أي لم تنذر آباؤهم على ما روي عن قتادة فما نافية والجملة صفة ‏{‏قَوْماً‏}‏ مبينة لغاية احتياجهم إلى الإنذار، والمراد بالإنذار الإعلام أو التخويف ومفعوله الثاني محذوف أي عذاباً لقوله تعالى‏:‏ ‏{‏إِنَّا أنذرناكم عَذَاباً قَرِيباً‏}‏ ‏[‏النبأ‏:‏ 0 4‏]‏ والمراد بآبائهم آباؤهم الأدنون وإلا فالأبعدون قد أنذرهم إسماعيل عليه السلام وبلغهم شريعة إبراهيم عليه السلام‏.‏

وقد كان منهم من تمسك بشرعه على أتم وجه ثم تراخى الأمر وتطاول المدد فلم يبق من شريعته عليه السلام إلا الاسم‏.‏ وفي «البحر» الدعاء إلى الله تعالى لم ينقطع عن كل أمة أما بمباشرة من أنبيائهم وأما بنقل إلى وقت بعثة نبينا صلى الله عليه وسلم والآيات التي تدل على أن قريشاً ما جاءهم نذير معناها لم يباشرهم ولا آباءهم القريبين‏.‏ وأما أن النذارة انقطعت فلا، ولما شرعت آثارها تندرس بعث النبي صلى الله عليه وسلم وما ذكره المتكلمون من حال أهل الفترات فهو على حسب الفرض اه‏.‏

وعليه فالمعنى ما أنذر آباءهم رسول أي لم يباشرهم بالإنذار لا أنه لم ينذرهم منذر أصلاً فيجوز أن يكون قد أنذرهم من ليس بنبي كزيد بن عمرو بن نفيل‏.‏ وقس بن ساعدة فلا منافاة بين ما هنا وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَإِن مّنْ أُمَّةٍ إِلاَّ خَلاَ فِيهَا نَذِيرٌ‏}‏ ‏[‏فاطر‏:‏ 4 2‏]‏ وليس في ذلك إنكار الفترة المذكورة في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏على فَتْرَةٍ مَّنَ الرسل‏}‏ ‏[‏المائدة‏:‏ 19‏]‏ لأنها فترة إرسال وانقطاعها زماناً لا فترة إنذار مطلقاً، وعن عكرمة ‏{‏مَا‏}‏ بمعنى الذي، وجوز أن تكون موصوفة وهي على الوجهين مفعول ثان لتنذر أي لتنذر قوماً الذي أنذره أو شيئاً أنذره الرسل آباءهم الأبعدين، وقال ابن عطية‏:‏ يحتمل أن تكون ما مصدرية فتكون نعتاً لمصدر مؤكد أي لتنذر قوما إنذاراً مثل إنذار الرسل آباءهم الأبعدين، وقيل هي زائدة وليس بشيء ‏{‏فَهُمْ غافلون‏}‏ هو على الوجه الأول متفرع على نفي الإنذار ومتسبب عنه والضمير للفريقين أي لم ينذر آباؤهم فهم جميعاً لأجل ذلك غافلون، وعلى الأوجه الباقية متعلق بقوله تعالى‏:‏ ‏{‏لّتُنذِرَ‏}‏ أو بما يفيده ‏{‏إِنَّكَ لَمِنَ المرسلين‏}‏ وارد لتعليل إنذاره عليه الصلاة والسلام أو إرساله بغفلتهم المحوجة إليه نحو اسقه فإنه عطشان على أن الضمير للقوم خاصة فالمعنى فهم غافلون عنه أي عما أنذر آباؤهم‏.‏

وقال الخفاجي‏:‏ يجوز تعلقه بهذا على الأول أيضاً وتعلقه بقوله تعالى‏:‏ ‏{‏لّتُنذِرَ‏}‏ على الوجوه وجعل الفاء تعليلية والضمير لهم أو لآبائهم اه، ولا يخفى عليك أن المنساق إلى الذهن ما قرر أولاً‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏7‏]‏

‏{‏لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ ‏(‏7‏)‏‏}‏

‏{‏لَقَدْ حَقَّ‏}‏ جواب لقسم محذوف أي والله لقد ثبت ووجب ‏{‏القول‏}‏ الذي قلته لإبليس يوم قال‏:‏ ‏{‏لاَغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ‏}‏ ‏[‏ص‏:‏ 28‏]‏ وهو ‏{‏لاَمْلاَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الجنة والناس أَجْمَعِينَ‏}‏ ‏[‏هود‏:‏ 9 11‏]‏ ‏{‏على أَكْثَرِهِمْ‏}‏ متعلق بحق‏.‏ والمراد سبق في علمي دخول أكثرهم فيمن أملأ منهم جهنم وهم تبعة إبليس كما يشير إليه تقديم الجنة على الناس وصرح به قوله تعالى‏:‏ ‏{‏لاَمْلاَنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ وَمِمَّن تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ‏}‏ ‏[‏ص‏:‏ 5 8‏]‏‏.‏

ولا مانع من أن يراد بالقول لكن المشهور ما تقدم، وظاهر كلام الراغب أن المراد بالقول علم الله تعالى بهم ولا حاجة إلى التزام ذلك، وقيل‏:‏ الجار متعلق بالقول ويقال قال عليه إذا تكلم فيه بالشر، والمراد لقد ثبت في الأزل عذابي لهم، وفيه ما فيه، ويؤيد تعلقه بحق قوله تعالى‏:‏ ‏{‏إِنَّ الذين حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ رَبّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ‏}‏ ‏[‏يونس‏:‏ 6 9‏]‏، ونقل أبو حيان أن المعنى حق القول الذي قاله الله تعالى على لسان الرسل عليهم السلام من التوحيد وغيره وبان برهانه وهو كما ترى‏.‏

‏{‏فَهُمُ‏}‏ أي الأكثر ‏{‏لاَ يُؤْمِنُونَ‏}‏ بإنذارك إياهم، والفاء تفريعية داخلة على الحكم المسبب عما قبله فيفيد أن ثبوت القول عليهم علة لتكذيبهم وكفرهم وهو علة له باعتبار سبق العلم بسوء اختيارهم وما هم عليه في نفس الأمر فإن علمه تعالى لا يتعلق بالأشياء إلا على ما هي عليه في أنفسها ومآله إلى أن سوء اختيارهم وما هم عليه في نفس الأمر علة لتكذيبهم وعدم إيمانهم بعد الإنذار فليس هناك جبر محض ولا أن المعلوم تابع للعلم‏.‏

وقال بعضهم‏:‏ الفاء إما تفريعية وكون ثبوت القول علة لعدم إيمانهم مبني على أن المعلوم تابع للعلم وإما تعليلية مفيدة أن عدم الإيمان علة لثبوب القول بناءً على أن العلم تابع للمعلوم، ولا يلزم الجبر على الوجهين، أما على الثاني فظاهر، وأما على الأول فلأن العلم ليس علة مستقلة عند القائل بذلك بل لاختيارهم وكسبهم مدخل فيه فتأمل‏.‏

والتفريع هو الذي أميل إليه‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏8‏]‏

‏{‏إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا فَهِيَ إِلَى الْأَذْقَانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ ‏(‏8‏)‏‏}‏

‏{‏إِنَّا جَعَلْنَا فِى أعناقهم‏}‏ جمع عنق بالضم وبضمتين وهو الجيد ويقال عنيق كأمير وعنق كصرد ‏{‏أغلالا‏}‏ جمع غل بالضم وهو على ما قيل ما يشد به اليد إلى العنق للتعذيب والتشديد، وفي البحر الغل ما أحاط بالعنق على معنى التثقيف والتضييق والتعذيب والأسر ومع العنق اليدان أو اليد الواحدة‏.‏

وذكر الراغب أنه ما يقيد به فتجعل الأعضاء وسطه، وأصله من الغلل تدرع الشيء وتوسطه ومنه الغلل للماء الجاري بين الشجر وقد يقال له الغيل، وكأن في الكلام عليه قلباً أي جعلنا أعناقهم في أغلال كما تقول جعلت الخاتم في أصبعي أي جعلت أصبعي في الخاتم، وجوز أن يكون على حد ‏{‏لاَصَلّبَنَّكُمْ فِى جُذُوعِ النخل‏}‏ ‏[‏طه‏:‏ 71‏]‏ والتنوين للتعظيم والتهويل أي أغلالاً عظيمة هائلة، وإسناد الفعل إلى ضمير العظمة مما يؤيد ذلك ‏{‏فَهِىَ‏}‏ أي الأغلال كما هو الظاهر ‏{‏إِلَى الاذقان‏}‏ جمع ذقن بالتحريك مجتمع اللحيين من أسفلهما، وأل للعهد أو عوض عن المضاف إليه والظرف متعلق بكون خاص خبر هي أي فهي واصلة أو منتهية إلى أذقانهم، والفاء للتفريع، وقيل‏:‏ لمجرد التعقيب بناءً على عدم حمل التنوين على التعظيم والتهويل، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فَهُمُ‏}‏ نتيجة ‏{‏فَهِىَ إِلَى الاذقان‏}‏ فالفاء تفريعية أيضاً، والمقمح على ما في النهاية الذي يرفع رأسه ويغض بصره وكأنه أراد المجهول بحيث يرفع الخ‏.‏

وقال أبو عبيدة‏:‏ يقال قمح البعير قموحاً إذا رفع رأسه عن الحوض ولم يشرب والجمع قماح، ومنه قول بشر يصف سفينة أخذهم الميد فيها‏:‏

ونحن على جوانبها قعود *** نغض الطرف كالإبل القماح

وقال الليث‏:‏ هو رفع البعير رأسه إذا شرب الماء الكريه ثم يعود، ومنه قيل للكانونين شهراً قماح بضم القاف وكسرها لأن الإبل إذا وردت الماء ترفع رؤوسها لشدة برده، وقال الراغب‏:‏ القمح رفع الرأس لسف الشيء المتخذ من القمح أي البر إذا جرى في السنبل من لدن الإنضاج إلى حين الاكتناز ثم يقال لرفع الرأس كيفما كان قمح، وقمح البعير رفع رأسه وأقمحت البعير شددت رأسه إلى خلف، وقيل‏:‏ المقمح الذي يجذب ذقنه حتى يصير في صدره ثم يرفع، وقال مجاهد‏:‏ القامح الرافع الرأس الواضع يده على فيه، وقال الحسن‏:‏ هو الطامح ببصره إلى موضع قدمه، وظاهره يقتضي أن يكون هناك نكس للرأس والمعروف في القمح الرفع، ووجه التفريع أن طوق الغل الذي في عنق المغلول يكون في ملتقى طرفيه تحت الذقن حلقة فيها رأس العمود نادراً من الحلقة إلى الذقن فلا يخليه يطأطىء ويوطىء قذاله فلا يزال مقمحاً لا سيما إذا كان الغل عظيماً، وقال ابن عطية‏:‏ إن الأغلال عريضة تبلغ بحروفها الأذقان أي فيحصل القمح، وكلام ابن الأثير يشعر أن القمح لضيق الغل، وإن أريد جعلنا في كل من أعناقهم أغلالاً كان أمر القمح أظهر وأظهر، وقال البغوي‏.‏

والطبري‏.‏ والزجاج‏.‏ والطبرسي‏:‏ ضمير هي للأيدي وإن لم يتقدم لها ذكر لوضوح مكانها من المعنى لأن الغل يتضمن العنق واليد ولذلك سمي جامعة وما يكون في العنق وحده أو في اليد وحدها لا يسمى غلاً فمتى ذكر مع العنق فاليد مرادة أيضاً ومتى ذكر مع اليد كما في قراءة ابن عباس ‏{‏فَى أَيْدِيهِمْ أغلالا‏}‏ وفي قراءة ابن مسعود ‏{‏فِى أيمانهم أغلالا‏}‏ فالعنق مراد أيضاً، وهذا ضرب من الإيجاز والاختصار ونظير ذلك قول الشاعر‏:‏

وما أدري إذا يممت أرضا *** أريد الخير أيهما يليني

أألخير الذي أنا أبتغيه *** أم الشر الذي لا يأتليني

حيث ذكر الخير وحده وقال أيهما أي الخير والشر، وقد علم أن الخير والشر يعرضان للإنسان، واختار الزمخشري ما تقدم ثم قال‏:‏ والدليل عليه قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فَهُم مُّقْمَحُونَ‏}‏ ألا ترى كيف جعل الإقماح نتيجة ‏{‏فَهِىَ إِلَى الاذقان‏}‏ ولو كان الضمير للأيدي لم يكن معنى التسبب في الأقماح ظاهراً على أن هذا الإضمار فيه ضرب من التعسف، وترك الظاهر الذي يدعوه المعنى إلى نفسه إلى الباطن الذي يجفو عنه ترك للحق الأبلج إلى الباطل اللجلج اه، وصاحب الانتصاف أراد الانتصار للجماعة فقال‏:‏ يحتمل أن يكون الفاء في ‏{‏فَهُم مُّقْمَحُونَ‏}‏ للتعقيب كسابقه أو للتسبب فإن ضغط اليد مع العنق يوجب الإقماح لأن اليد تبقى ممسكة بالغل تحت الذقن رافعة لها ولأن اليد إذا كانت مطلقة كانت راحة للمغلول فربما يتحيل بها على فكاك الغل فيكون منبهاً على انسداد باب الحيلة اه‏.‏

قال صاحب الكشف‏:‏ والجواب أنه لا فخامة للتعقيب المجرد، ثم إن ما ذكره الزمخشري وقد أشرنا إليه نحن فيما سبق مستقل في حصول الإقماح فأين التعقيب، وبه خرج الجواب عن التسبب، وقوله ولأن اليد الخ لا يستقل جواباً دون الأولين اه، وعلى العلات رجوع الضمير إلى الأغلال هو الحري بالاعتبار وبلاغة الكتاب الكريم تقتضيه ولا تكاد تلتفت إلى غيره‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏9‏]‏

‏{‏وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ ‏(‏9‏)‏‏}‏

‏{‏وَجَعَلْنَا‏}‏ عطف على ‏{‏جَعَلْنَا‏}‏ السابق ‏{‏مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ‏}‏ من قدامهم ‏{‏سَدّا‏}‏ عظيماً وقيل نوعاً من السد ‏{‏وَمِنْ خَلْفِهِمْ‏}‏ من ورائهم ‏{‏سَدّا‏}‏ كذلك والقدام والوراء كناية عن جميع الجهات ‏{‏فأغشيناهم‏}‏ فغطينا بما جعلناه من السد أبصارهم، وعن مجاهد ‏{‏فأغشيناهم‏}‏ فألبسنا أبصارهم غشاوة ‏{‏فَهُمُ‏}‏ بسبب ذلك ‏{‏لاَّ يُبْصِرُونَ‏}‏ لا يقدرون على إبصار شيء ما أصلاً‏.‏

وقرأ جمع من السبعة وغيرهم ‏{‏سَدّا‏}‏ بضم السين وهي لغة فيه، وقيل ما كان من عمل الناس فهو بالفتح وما كان من خلق الله تعالى فهو بالضم، وقيل بالعكس‏.‏ وقرأ ابن عباس‏.‏ وعمر بن عبد العزيز‏.‏ وابن يعمر‏.‏ وعكرمة‏.‏ والنخعي‏.‏ وابن سيرين‏.‏ والحسن‏.‏ وأبو رجاء‏.‏ وزيد بن علي‏.‏ وأبو حنيفة‏.‏ ويزيد البربري‏.‏ ويزيد بن المهلب‏.‏ وابن مقسم ‏{‏فأغشيانهم‏}‏ بالعين من العشا وهو ضعف البصر، ومجموع المتعاطفين من قوله تعالى‏:‏ ‏{‏تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا‏}‏ الخ تأكيد وتقرير لما دل عليه قوله سبحانه‏:‏ ‏{‏لَقَدْ حَقَّ القول على أَكْثَرِهِمْ‏}‏ ‏[‏يس‏:‏ 7‏]‏ الخ من سوء اختيارهم وقبح حالهم فإن جعل الله تعالى إياهم بما أظهر فيهم من الإعجاب العظيم بأنفسهم مستكبرين عن اتباع الرسل عليهم السلام شامخين برؤوسهم غير خاضعين لما جاؤوا به وسد أبواب النظر فيما ينفعهم عليهم بالكلية ليس إلا لأنهم سيئو الاختيار وقبيحو الأحوال قد عشقت ذواتهم ما هم عليه عشقاً ذاتياً وطلبته طلباً استعدادياً فلم تكن لها قابلية لغيره ولم تلتفت إلى ما سواه، وإذا قايست بين ذواتهم وما هم عليه وبين الجسم والحيز أو الثلاثة والفردية مثلاً لم تكد تجد فرقاً ‏{‏وَمَا ظَلَمَهُمُ الله ولكن كَانُواْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ‏}‏ ‏[‏النحل‏:‏ 33‏]‏ ففي الكلام تشبيهات متعددة كما لوحنا إليه، وهذا الوجه هو الذي يقتضيه ما عليه كثير من الأجلة وإن لم يذكروه في الآية؛ وفي الانتصاف إذا فرق التشبيه كان تصميمهم على الكفر مشبهاً بالأغلال وكان استكبارهم عن قبول الحق والتواضع لاستماعه مشبهاً بالإقماح لأن المقمح لا يطأطأ رأسه، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فَهِىَ إِلَى الاذقان‏}‏ ‏[‏يس‏:‏ 8‏]‏ تتمة للزوم الإقماح لهم وكان عدم النظر في أحوال الأمم الخالية مشبهاً بسد من خلقهم وعدم النظر في العواقب المستقبلة مشبهاً بسد من قدامهم وفي التيسير جمع الأيدي إلى الأذقان بالأغلال عبارة عن منع التوفيق حتى استكبروا عن الحق لأن المتكبر يوصف برفع العنق والمتواضع بضده كما في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فَظَلَّتْ أعناقهم لَهَا خاضعين‏}‏ ‏[‏الشعراء‏:‏ 4‏]‏ ولم يذكر المراد بجعل السد، وذكر الإمام أن المانع عن النظر في الآيات قسمان قسم يمنع عن النظر في الأنفس فشبه ذلك بالغل الذي يجعل صاحبه مقمحاً لا يرى نفسه ولا يقع بصره على بدنه وقسم يمنع عن النظر في الآفاق فشبه ذلك بالسد المحيط فإن المحاط بالسد لا يقع نظره على الآفاق فلا يظهر له ما فيها من الآيات فمن ابتلي بهما حرم عن النظر بالكية، واختار بعضهم كون ‏{‏إِنَّا جَعَلْنَا‏}‏ الخ تمثيلاً مسوقاً لتقرير تصميمهم على الكفر وعدم ارعوائهم عنه فيكون قد مثل حالهم في ذلك بحال الذين غلت أعناقهم، وجوز في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَجَعَلْنَا‏}‏ الخ أن يكون تتمة لذلك وتكميلاً له وأن يكون تمثيلاً مستقلاً فإن جعلهم محصورين بين سدين هائلين قد غطيا أبصارهم بحيث لا يبصرون شيئاً قطعاً كاف في «الكشف» عن كمال فظاعة حالهم وكونهم محبوسين في مطمورة الغي والجهالات‏.‏

وقال أبو حيان الظاهر أن قوله تعالى‏:‏ ‏{‏إِنَّا جَعَلْنَا‏}‏ الآية على حقيقتها لما أخبر تعالى أنهم لا يؤمنون أخبر سبحانه عن شيء من أحوالهم في الآخرة إذا دخلوا النار، والتعبير بالماضي لتحقق الوقوع، ولا يضعف هذا كما زعم ابن عطية قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فأغشيناهم فَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ‏}‏ لأن بصر الكافر يومئذٍ حديد يرى قبح حاله، ألا ترى إلى قوله سبحانه‏:‏ ‏{‏وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ القيامة على وُجُوهِهِمْ عُمْيًا‏}‏ ‏[‏الإسراء‏:‏ 7 9‏]‏ وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏قَالَ رَبّ لِمَ حَشَرْتَنِى أعمى‏}‏ ‏[‏طه‏:‏ 125‏]‏ فإما أن يكون ذلك حالين وإما أن يكون قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فَبَصَرُكَ اليوم حَدِيدٌ‏}‏ ‏[‏ق‏:‏ 22‏]‏ كناية عن إدراكه ما يؤول إليه حتى كأنه يبصره، واعترض بعضهم عليه بأنه يلزم أن يكون الكلام أجنبياً في البين وتوجيهه بأنه كالبيان لقوله تعالى‏:‏ ‏{‏لَقَدْ حَقَّ القول على أَكْثَرِهِمْ‏}‏ ‏[‏يس‏:‏ 7‏]‏ قد دغدغ فيه، والإنصاف أنه خلاف الظاهر، وقال الضحاك‏:‏ والفراء في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏إِنَّا جَعَلْنَا فِى أعناقهم أغلالا‏}‏ ‏[‏يس‏:‏ 8‏]‏ استعارة لمنعهم من النفقة في سبيل الله تعالى كما قال سبحانه‏:‏ ‏{‏وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إلى عُنُقِكَ‏}‏ ‏[‏الإسراء‏:‏ 9 2‏]‏ ولعله جعل الجملة الثانية استعارة لمنعهم عن رؤية الخير والسعي فيه، ولا يخفى أن كون الكلام على هذا أجنبياً في البين في غاية الظهور، وأخرج ابن مردويه وأبو نعيم في الدلائل عن ابن عباس قال‏:‏ كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في المسجد فيجهر بالقراءة فتأذى به ناس من قريش حتى قاموا ليأخذوه فإذا أيديهم مجموعة إلى أعناقهم وإذا هم لا يبصرون فجاؤا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا‏:‏ ننشدك الله تعالى والرحم يا محمد قال‏:‏ ولم يكن بطن من بطون قريش إلا وللنبي صلى الله عليه وسلم فيهم قرابة فدعا النبي عليه الصلاة والسلام حتى ذهب ذلك عنهم فنزلت يس ‏{‏والقرآن الحكيم‏}‏ إلى قوله سبحانه‏:‏ ‏{‏أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ‏}‏ ‏[‏يس‏:‏ 1-10‏]‏ فلم يؤمن من ذلك النفر أحد، وروي أن الآيتين نزلتا في بني مخزوم وذلك أن أبا جهل حمل حجراً لينال بهاما يريد برسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يصلي فأثبتت يده إلى عنقه حتى عاد إلى أصحابه والحجر قد لزق بيده فما فكوه إلا بجهد فأخذه مخزومي آخر فلما دنا من الرسول صلى الله عليه وسلم طمس الله تعالى بصره فعاد إلى أصحابه فلم يبصرهم حتى نادوه فقام ثالث فقال‏:‏ لأشدخن أنا رأسه ثم أخذ الحجر وانطلق فرجع القهقرى ينكص على عقبيه حتى خر على قفاه مغشياً عليه فقيل له‏:‏ ما شأنك‏؟‏ قال‏:‏ عظيم رأيت الرجل فلما دنوت منه فإذا فحل ما رأيت فحلاً أعظم منه حال بيني وبينه فواللات والعزى لو دنوت منه لأكلني فجعل الغل يكون استعارة عن منع من أراد أذاه عليه الصلاة والسلام وجعل السد استعارة عن سلب قوة الإبصار كما قيل، وقال السدي‏:‏ السد ظلمة حالت فمنعت الرؤية، وجاء في الآثار غير ذلك مما يقرب منه والربط عليها غير ظاهر، ولعله باعتبار إشارة الآيتين إلى ما هو عليه من التصميم على الكفر وشدة العناد؛ ومع هذا الأرجح في نظر البليغ حمل الكلام على غير ما تقتضيه ظواهر الآثار مما سمعت وليس فيها ما ينافيه عند التحقيق فتأمل‏.‏